دور  وسائل التواصل الاجتماعي في تغيير  نموذج الأعمال التقليدي
دور وسائل التواصل الاجتماعي في تغيير نموذج الأعمال التقليدي

في عام 2015، ناقشت إيميلي وابنيك في خطابها في مؤتمر "تيد" عن فكرة غير مسبوقة وهي "تعدد الإمكانات" وعرَّفت هذا المصطلح على أنه "شخص له اهتمامات وملاحقات إبداعية عديدة"، وصاغته بعد إدراكها أنه في كل مرة تتحمس فيها لموضوع أو هواية معينة، تتفوق فيه ثم تنتقل إلى الهواية التالية. إذن، "متعدد الإمكانات" هو العالِم وراكب الأمواج، أو الرسام الذي اتجه إلى تصوير الفيديو لمدة عام ثم أصبح مراسلاً في العام التالي.

والبعض يقول إن معظم الناس متعددو الإمكانات. وفي الشرق الأوسط، هذه الفكرة ليست جديدة تماماً، لأن معظم العلماء خلال العصر العبَّاسي (من القرن الثامن إلى القرن الرابع عشر) كانوا أيضاً فنانين. عَمِل الخوارزمي، المعروف باسم مؤسس الجبر، في مجال الجغرافيا وعِلم الفلك إلى جانب دراسته للرياضيات. وكان جابر بن حيان، عَالِم معروف في الكيمياء، خبيراً أيضاً في عِلم الكونيات وعِلم الأعداد وعِلم التنجيم والطب والفلسفة. لذلك، فكرة الاحتراف في أكثر من مجال واحد ليست فكرة جديدة، بل على العكس تماماً. وُجِدَ مصطلح "تعدد الإمكانات" منذ مئات السنين، والآن بات معروفاً كما كان في السابق.

إدمان التغيير المستمر

إلى حد ما، قامت العديد من الموجات والاتجاهات الاستهلاكية التقليدية بالعودة إلى السياق العادي للحياة اليومية ولاحظت الشركات ذلك، حيث إن الأجيال الجديدة باتت أقل عاطفية، مثل جيل "زد" (والذي شكَّل 32% من سكان العالم عام 2019) وجيل "الألفية" (الذين يمثلون 31.5% من سكان العالم) وهم الآن يحتفلون بمسلسل "الترتيب مع ماري كوندو" الذي يشجع الناس على الترتيب وإزالة الأشياء والملابس غير الضرورية من منازلهم. [1]

وتأتي موجة الترتيب من هذا النوع تحت حركة تدعو إلى امتلاك أشياء أقل، مثل امتلاك ملابس أقل ومَلاعقَ أقل مما يُحِدُّ من الفوضى. وقد يُشكِّل هذا تحدياً لشركات الإنتاج لأن المزيد من المستهلكين يُحِدُّون الآن من هذا النوع من "الفوضى" التي تضيفها عمليات الشراء الجديدة إلى حياتهم.

وتتفاعل الشركات مع هذه الموجة عبر الإعلانات المدفوعة ومشاركاتها في وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تكلفهم ملايين الدولارات، في حين أن تكلفة إعلان واحد برعاية الفنانة كايلي جينر على صفحة "الإنستغرام" الخاصة بها يبلغ مليون دولار أميركي.

وأفاد مسح أجراه مركز "بيو" للأبحاث في عام 2018، بأن 45 % من المراهقين في أميركا مُتصِّلون بالإنترنت "بشكل مستمر تقريباً وأغلب الوسائل الاجتماعية استخداماً هي "سناب شات" و"يوتيوب" و"إنستغرام"، بينما تُشير الأبحاث التي أجرتها "WVEA" إلى أن الوقت الذي يقضيه المراهقون الأميركيون يعادل 9 ساعات يومياً على الوسائط الرقمية. وفي عام 2018، أنتج "فيسبوك" 55 مليار دولار من الإعلانات عبر الإنترنت. [2] [3] [4]

وتُدرك "ألغوريثما"، شركة الخدمات التكنولوجية المتكاملة التي تتخذ من الإمارات مقراً لها، تأثير ودور الوسائط الرقمية والتقنيات الناشئة في قطاعات اليوم. ولذلك تقوم الشركة بتطوير حلول تكنولوجية عبر قطاعات التعليم والذكاء الاصطناعي والعقارات والتمويل ووسائل الإعلام الجديدة، بهدف تلبية احتياجات الجيل الجديد، حيث تلعب التكنولوجيا دوراً أساسياً في حياتهم اليومية.

وداعاً لعمليات الشراء لمرة واحدة

المساعدون الشخصيون الرقميون على الهواتف موجودون منذ سنوات عِدَّة. وفي الآونة الأخيرة، بدأت التطبيقات المبنية على الذكاء الاصطناعي في مساعدة الأفراد على التعامل مع شعورهم بالوحدة.

وكل يوم، ستجد أنك تشارك في الاقتصاد المبني على نموذج الاشتراكات الشهري أم السنوي، وذلك عبر قراءة الصُحُف أو المجلات، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات على "نتفليكس" (Netflix) أو "هولو" (Hulu)، والاستماع إلى الأغاني عبر تطبيق "أنغامي" (Anghami) أو "سبوتيفاي" (Spotify) واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي باستهلاك باقة هاتفك المحمول. جميعنا نشارك في هذا النوع من الاستهلاك الجديد، والذي يستنتج بعض الخبراء أنه المستقبل، حيث إن هذا النموذج القائم على الاشتراكات قام بالنمو بأكثر من 100% سنوياً وحقق مبيعات بقيمة 2.6 مليار دولار في عام 2016 مقارنة بـ 57 مليون دولار في عام 2011. [5]

ولاحظت الشركات الناشئة المبتكرة ما هو مفقود في السوق: الحاجة إلى التحديث المستمر، بأسعار أقل تكلفة من أجل نمط حياة بسيط أكثر.

ويتكامل الاقتصاد المبني على الاشتراكات مع الاقتصاد الدائري الذي يستفيد بأقصى مدى من الموارد المتاحة، حيث يمكنك استئجار شيء يستخدمه شخص آخر بعدك، حتى يصل الشيء إلى مرحلة يُلزَم التخلص منه وإعادة تصنيعه.

ضمن سعيها إلى تشجيع توفير الطاقة، اقترحت شركة "ايكيا" الانضمام إلى الاقتصاد الدائري عبر السماح لعملائها باستئجار الأثاث بدلاً من شرائه، وسيتم اختبار هذا النموذج قريباً في سويسرا. [6] ومن هذا المنطلق، قد تُبدِّل أثاث منزلك بالكامل كل 6 أشهر، أو حتى في فترة أقل إذا كنت تفضل ذلك.

وكتب تين تزو، خريج جامعة "ستانفورد" كتاباً عن أهمية نموذج الاشتراكات وقال: "حقيقة الملكية ماتت. أصبحت الأمور الآن تتعلق بإمكانية الوصول إلى ما يريده الناس". [7]

وتحت هذا الإطار يتمكن المستهلكون من امتلاك المزيد من الأشياء مقابل تكلفة أقل، على حساب عدم الاحتفاظ بها إلى الأبد. وبدلاً من إجراء العديد من عمليات الشراء الكبيرة، مثل شراء ألبومات الموسيقى التي تتراكم من حيث التكلفة والمساحة، يمكن للمستهلكين الاستماع إلى ألبومات كاملة من مغنيين متعددين بأسعار أقل، وهو أمر مربح للطرفين.

أما بالنسبة للشركات، يلقي هذا التوجه الضوء على أهمية تغيير نموذج الأعمال التقليدي إلى نموذج قائم على الاشتراكات. وأيضاً، الشركات التي تحث على الاستدامة عبر مساندة حَرَكة الاقتصاد الدائري ستتمكن من توفير تكاليفها.

من تعدد الاهتمامات إلى تغيير خزانة ملابسك كل أسبوع، تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على الاقتصاد العالمي وطريقة عمل الشركات بشكل أساسي. والشركات التي تَهتَم وتأخذ باعتبار اتجاهات السوق المُتَغيِّرة هي التي ستقود الحركة الآتية بينما قد تفشل شركات أخرى من النجاح تحت النموذج تقليدي.

المصادر:

1. Bloomberg, Gen Z Is Set to Outnumber Millennials Within a Year, 2018
2. Pew Research Center, Teens, Social Media & Technology 2018
3. West Virginia Education Association, Teens Spend “Astounding” Nine Hours a Day in Front of Screens: Researchers
4. Statista, Facebook advertising revenue worldwide from 2009 to 2018 (in million U.S. dollars)
5. Stanford Business, Why Every Business Will Soon Be a Subscription Business, 2018
7. Tien Tzuo, Subscribed: Why the Subscription Model Will Be Your Company's Future - and What to Do About It